قصص السجون - حلم سوريا الضائع
للتبرع لمساعدة المعتقلين من خلال: حملة الوفاء لمعتقلي صيدنايا
فُتحت أبوابُ المسالخ البشرية يوم التاسع من ديسمبر وأشهرها "مسلخ" صيدنايا على مصراعيها بيد الشباب الحر، لتكشفَ للعالم عن قصص يشيبُ لها الولدان لآلافٍ مؤلفةٍ من البشر ضاعت سنين حياتهم فيها. دخلها معظمهم صغار السن لا يعلمون ما تُهمتهم ولا سبب تعذيبهم اليومي على يد سجانيهم المجرمين؛ كل ما يعرفونهُ هو أنهم ماكثون هنا لمدةٍ لا يعلمها الا الله، ولا يواسيهم شيءٌ سوى خربشاتٌ على الحيطان يعدّون فيها الأيام.
أتى الى دمشق ل"شم الهوا" ثم تبخّر!
قد يعتقد البعض أن الاعتقال كان يترصدُ بحاملي الجنسية السورية فقط، لكن مما كشفتهُ اهوال يوم التحرير هو امتلاء السجون بالأخوة العرب من جنسيات متعددة منذ سنين طويلة تمتد لأربعين عاماً..
أسامة البطاينة مثالٌ على ذلك. شابٌ أردني اتى في الثمانينات زائراً دمشق لثلاثة أيام، كما اعتقد هو، ليستنشق هواء دمشق العليل ويستمتع بالمناظر الجميلة قبل عودته الى مدينته اربد، لكن ذلك لم يحصل ابداً. القى النظام القبض عليه بلا تهمة واصطحابه الى سجن مظلم قضى فيه ما يناهز الأربعين عاماً. لم تعرف عائلتهُ ما حلّ به ولا مكان فقدانه ولم توّفر جهداً في البحث عنه في كل الأماكن التي اوهموهم بتواجده فيها دون جدوى، ودفع والده الملايين وأنفق كامل ثروته في سبيل أن يسمع معلومةً عن ابنه علّها تشفي غليله وتطفئ نار الحسرة في قلب أمه. خسرت امه ُكلتا عينيها حسرةً عليه ثم توفيت بالسرطان ولم تره.
فرحة ايجاده التي لم تطل كثيراً
نزل الخبر كالصاعقة على عمنا أبو أسامة عندما سمع بوجود رجل مقارب لمواصفات ابنه المفقود. هذا الرجل فاقدٌ للذاكرة من شدة التعذيب ولا يعرف سوى كلمة "اربد..اربد"، يرددها وكأنهُا طوق نجاته الوحيد. بعد العديد من الاتصالات والترتيبات لإحضاره الى الأردن التقى العم أبو أسامة بالمفقود أسامة والذي لا يعي ما يجري حولهُ، وأجريت التحريات للتأكد من الحمض النووي لهذا الرجل المسكين. لم تكن نتيجة الاختبار سارةً ابداً.. حيث اتضح أنه ليس ابنهم ولا تربطهم صلة قرابة، ليعود هذا الرجل غريباً عن عائلته مجدداً.
ثم رأت عائلةٌ اردنية أخرى ما جرى وقدموا طلباً قائلين أنهُ ابنهم المفقود في لبنان في بداية ثمانينات القرن الماضي! ليدخل "أسامة" في دوامةٍ لا يعي أصلا وجودها لأنه فقد كل شيء.
كيف نعوض العمر الضائع؟
هل هناك ثمنٌ قد تدفعه هذه الثلةُ المجرمة من أموال أو عذاب أو كفارات لتعوض "أسامة" الذي خسر كل شيء حتى اسمه؟
هل هناك ثمنٌ يعوض من هم في مثل حال أسامة عن سنوات الشباب التي خسروها، وعن احلامهم التي حلموا بها، وعن لحظات هنيئة في حضن امهاتهم حرموا منها للأبد؟
كل ما خسروه لا يعوض بأثمان الدنيا كلها، لكننا نستطيع أن نؤمن لهم حياةً كريمةً لما تبقى من سنينهم يعيشونها برفقة أهلهم بنفوس مطمئنة أن عدالة ربنا قريبة وأنهم لن يقلقوا بشأن تأمين لقمة عيشهم أو علاجهم بعد كل ما قاسوه من الآلام التي تفوق وصفها الكلمات. دعونا نكن بلسماً شافياً لأخوتنا في أيامهم القادمة.
للتبرع لمساعدة المعتقلين من خلال: حملة الوفاء لمعتقلي صيدنايا